سيد قطب
2262
في ظلال القرآن
يدبرون أمرهم . « وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ » فإذا هي ثابتة راسخة ، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت . معتزة بالإيمان الذي اختارت « إِذْ قامُوا » . . والقيام حركة تدل على العزم والثبات . « فَقالُوا : رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . . فهو رب هذا الكون كله « لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً » . . فهو واحد بلا شريك . « لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً » . . وتجاوزنا الحق وحدنا عن الصواب . ثم يلتفتون إلى ما عليه قومهم فيستنكرونه ، ويستنكرون المنهج الذي يسلكونه في تكوين العقيدة : « هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً . لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ؟ » . . فهذا هو طريق الاعتقاد : أن يكون للإنسان دليل قوي يستند إليه ، وبرهان له سلطان على النفوس والعقول . وإلا فهو الكذب الشنيع ، لأنه الكذب على اللّه : « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ؟ » . . وإلى هنا يبدو موقف الفتية واضحا صريحا حاسما ، لا تردد فيه ولا تلعثم . . إنهم فتية ، أشداء في أجسامهم ، أشداء في إيمانهم . أشداء في استنكار ما عليه قومهم . . ولقد تبين الطريقان ، واختلف المنهجان ، فلا سبيل إلى الالتقاء ، ولا للمشاركة في الحياة . ولا بد من الفرار بالعقيدة . إنهم ليسوا رسلا إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها ، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل . إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر ، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها ، وهم لا يطيقون كذلك أن يداروا القوم ويداروهم ، ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم للّه . والأرجح أن أمرهم قد كشف . فلا سبيل لهم إلا أن يفروا بدينهم إلى اللّه ، وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة . وقد أجمعوا أمرهم فهم يتناجون بينهم : « وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ - إِلَّا اللَّهَ - فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً » . . وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة . فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم ، ويهجرون ديارهم ، ويفارقون أهلهم . ويتجردون من زينة الأرض ومتاع الحياة . هؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيق الخشن المظلم . هؤلاء يستروحون رحمة اللّه . ويحسون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدة . « يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ » ولفظة « يَنْشُرْ » تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح . فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها وتمتد ظلالها ، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء . . إن الحدود الضيقة لتنزاح ، وإن الجدران الصلدة لترق ، وإن الوحشة الموغلة لتشف ، فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق . إنه الإيمان . . وما قيمة الظواهر ؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية ؟ إن هنالك عالما آخر في جنبات القلب المغمور بالإيمان ، المأنوس بالرحمن . عالما تظلله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان . ويسدل الستار على هذا المشهد . ليرفع على مشهد آخر والفتية في الكهف وقد ضرب اللّه عليهم النعاس . « وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ ، وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ . ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ . مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ . وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً . وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً